صديق الحسيني القنوجي البخاري

196

أبجد العلوم

فيرجحون ذلك الصنف من التجنيس ، ويدعون الإعراب ، ويفسدون بنية الكلمة عساها تصادف التجنيس : فتأمل ذلك بما قدمناه لك تقف على صحة ما ذكرناه . واللّه الموفق للصواب بمنه وكرمه » « 1 » . مطلب في أنه لا تتفق الإجادة في فني المنثور والمنظوم معا إلا للأقل « 2 » « والسبب في ذلك أنه كما بيناه ملكة في اللسان ؛ فإذا تسبّقت إلى محله ملكة أخرى قصرت بالمحل عن تمام الملكة اللاحقة ، لأن تمام الملكات وحصولها للطبائع التي على الفطرة الأولى أسهل وأيسر . وإذا تقدمتها ملكة أخرى كانت منازعة لها في المادة القابلة ، وعائقة عن سرعة القبول ، فوقعت المنافاة وتعذر التمام في الملكة . وهذا موجود في الملكات الصناعية كلها على الإطلاق ، وقد برهنّا عليه في موضعه بنحو من هذا البرهان . فاعتبر مثله في اللغات ، فإنها ملكات اللسان ، وهي بمنزلة الصناعة . وانظر من تقدم له شيء من العجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي أبدا ، فالأعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي ، ولا يزال قاصرا فيه ولو تعلمه وعلمه . وكذا البربري والرومي والإفرنجي قلّ أن تجد أحدا منهم محكما لملكة اللسان العربي ، وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر . حتى أن طالب العلم من أهل هذه الألسن إذا طلبه بين أهل اللسان العربي جاء مقصّرا في معارفه عن الغاية والتحصيل ، وما أتى إلا من قبل اللسان . وقد تقدم لك من قبل أن الألسن واللغات شبيهة بالصنائع . وأن الصنائع وملكاتها لا تزدحم ، وأن من سبقت له إجادة في صناعة فقلّ أن يجيد أخرى أو يستولي فيها على الغاية » . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ . * * * مطلب في صناعة الشعر ووجه تعلمه « 3 » « هذا الفن من فنون كلام العرب ، وهو المسمى بالشعر عندهم . ويوجد في سائر

--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 658 ) . ( 2 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 658 ) . ( 3 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 659 - 666 ) .